عبد الوهاب الشعراني
647
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
قلت : وقوله : « فأهدى له هدية عليها » يفهم أنه إذا كان من عادة المشفوع له الهدية قبل ذلك الصدقة أو محبة فلا حرج في قبولها ، لأنه حينئذ لم يهد لأجل شفاعته فيه واللّه تعالى أعلم . [ الترهيب من مخاصمة أحد أو مخاطبته بفحش أو بأذى : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن لا نخاصم أحدا ولا نخاطبه بلفظ فيه فحش ولا بأذى تخلقا بأخلاق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فلم يكن فاحشا ولا متفحشا صلى اللّه عليه وسلم . ويحتاج من يريد العمل بهذا العهد إلى سلوك الطريق على شيخ ناصح يخرجه عن رعونات النفوس ويخرج به من أودية الجفاء إلى حضرات الرحمة والصفاء والرفق بسائر خلق اللّه عز وجل على الوجه الشرعي . وقد روى أهل السير : « أنّ النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم أشرف عليه بعض اليهود من بعض الحصون وهو في غزاة فقال يا إخوان القردة فقالوا : يا محمّد ما عهدناك فاحشا ولا متفحّشا فطأطأ رأسه واستحى » . فاسلك يا أخي على يد شيخ وإلا فمن لازمك غالبا الفحش والبذاء وقلة الحياء شئت أم أبيت واللّه يتولى هداك . وقد روى ابن ماجة مرفوعا : « إنّ اللّه عزّ وجلّ إذا أراد أن يهلك عبدا نزع منه الحياء فإذا نزع منه الحياء لم تلقه إلّا مقيتا ممقتا فإذا لم تلقه إلّا مقيتا ممقتا نزعت منه الأمانة فإذا نزعت منه الأمانة لم تلقه إلّا خائنا مخونا فإذا لم تلقه إلّا خائنا مخونا نزعت منه الرّحمة ، فإذا نزعت منه الرّحمة لم تلقه إلّا رجيما ملعنا فإذا لم تلقه إلّا رجيما ملعنا نزعت منه ربقة الإسلام » . والربقة بكسر الراء وفتحها واحدة الربق : وهي عرى في حبل تشد به البهائم ويستعار لغير ذلك واللّه أعلم . [ النهي عن إساءة خلقنا على أحد من خلق اللّه تعالى بغير سبب شرعي : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن لا نسيىء خلقنا على أحد من خلق اللّه عز وجل بغير سبب شرعي هروبا من أن نكتب في ديوان الأشرار فنحرم بركة النصح لنا ولإخواننا لأنهم ربما رأونا على فعل مذموم ، فأرادوا أن ينصحونا فيتذكروا سوء خلقنا فيسكتون علينا ، ولو أنا كنا مطهرين من سوء الخلق لقدموا على نصحنا ، وهذا العهد يتعين العمل به على كل من طلب الدرجات العلى في الدنيا والآخرة قال تعالى : وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ [ الأنبياء : 73 ] . فما فرحوا بالإمامة إلا بعد صبرهم على مخالفة هوى نفوسهم المذمومة فافهم . وقد قدمنا أن الإمام عمر بن الخطاب قال لأصحابه يوما ماذا تصنعون بي إذا اعوججت ؟ قالوا نعلو هامتك بالسيف ففرح وقال هكذا كونوا ا ه . فيحتاج كل من يريد العمل بهذا العهد إلى السلوك على يد شيخ ناصح يهذب